مرتضى الزبيدي

331

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

الجهل ، ومهديا بعد الضلال ، وقادرا بعد العجز ، وغنيا بعد الفقر ؟ فكان في ذاته لا شيء وأي شيء أخس من لا شيء ؟ وأي قلة أقل من العدم المحض ؟ ثم صار باللّه شيئا ، وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام والنطفة القذرة بعد العدم المحض أيضا ليعرفه خسة ذاته فيعرف به نفسه ، وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا . ولذلك امتن عليه فقال : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 8 - 10 ] وعرف خسته أوّلا فقال : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ثم ذكر منته عليه فقال : فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ القيامة : 37 - 39 ] ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده أوّلا بالاختراع . فمن كان هذا بدؤه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء ؟ ولكن هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم ، وذلك لدلالة خسة أوله ولا حول ولا قوة إلا باللّه . نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود